الجمعة، 23 نوفمبر، 2012

عذراً كربلاء ..

 

 

عذراً كربلاء ..


ما أروع أن تتعرف على الإنسانية المنشودة عن قرب ففي كل عام تكتشف وجهاً جديداً لها  لتبدأ رحلة البحث عن معانيها في واقعة نهضت بالحياة والتاريخ واسترجعت كل الحقوق المسلوبة من كرامة و عدل , و جسدت كل العلاقات الإنسانية من أبوة و أخوة و صداقة و حب و حنان و أمل وألم وصبر وشجاعة وإيثار . أجد نفسي ممتنة لهذه العشرة أيام من عمر كل عام هجري يطرق أجراسه الأولى مع وقع الخيول على جسد ابن رسول الله , و أطرح على نفسي سؤال شغلني منذ الطفولة .. ما الذي فعلته كربلاء بالحسين ؟وما الذي فعله الحسين بكربلاء ؟
حكاية كربلاء لم تبدأ من حرق الخيام أو قطع الرؤوس أو سبي النساء والأطفال .. لم تكن جرحاً غائراً في كل قلب حمل حب محمد و علي .. لم تكن أرضاً حملتً على ظهرها أجساد الحسين و العباس وعلي الأكبر والقاسم فقط . كربلاء في كل عام أراها جديدة .. أكتشف مع الأيام أن الثورة فيها على الظلم قبل الظالم , ليست معنية بمحاربة الظالم كشخص تعيس ينهش في إنسانية غيره ,بل هي المعنية بمحاربة الظلم إن تمثل في إنسان أو رمز أو كلمة أو حرف كان القصد منها الإذلال .. وجدتها أكبر من مأتم يضجُ بالبكاء و أكبر بكثير من وجه حزين و قرى تتوشح بالسواد ,وجدتها عالماً مختلفاً عن هذه العوالم .. وجدتُ فيها الحسين أباً حنوناً صابراً و العباس أخاً وفياً مضحياً و زينب تلك السيدة التي يصعب عليَّ وصف دورها فبقدر صبرها تتألم و بقدر ألمها تصبر!
تعلقنا بالدم والسيوف كثيراً و نسينا هذه العلاقات .. نسينا الإنسانية والرحمة والتضحية .. صار همنا الانتصار أو الهزيمة .. حتى الحرية نراها كسر القيود , والدمع خذلان  و الانتظار مصيبة و التضحية لابد لها من مقابل . نسينا أن الحسين انتصر وهو في نظر العالم قد هُزم , نسينا أن السجاد كان حراً رغم قيوده التي أثقلت ظهره , نسينا أن السيدة زينب كانت تشعر بحلاوة الانتظار رغم مرارته وهي في خيمتها تعلم أن كل من ودعها لن يعود ,نسينا تفاصيل تضحيات العباس  .. نسينا هذه العبارة وهي تخرج من قلب الحسين يوم العاشر من محرم " خذ حتى ترضى " .. نسينا أن كل ثورة مهما تغيرت ملامحها و طقوسها و آلامها و مطالبها تشترك في أنها امتداد للحسين الذي أنسانا بدمه حدة السيوف و العبودية إلا لله .
 بعد كل هذا .. عذراً كربلاء .. يا أرضاً تشرفت بالحسين و آله لولاه ما كنتِ ولن تكوني .